ونجد فى فواتح الجزء الرابع فى قصة حسن البصرى إشارة علمية لاتساع بحار ومحيطات الأرض وما فيها من جزر نائيات قبل اكتشاف كولمبوس لأمريكا بمئات السنين: " ثم قلن له امدد يدك إلى السماء فإن وصلت إلى السماء تصل إلى زوجتك فى جزائر واق الواق ".
وكنا أسلفنا فى الجزء الأول إلى ورود النص الصريح بكروية الأرض.
ولا زال العقل طائشا لليوم فيمن ألف هذه القصص المدهشة وذلك العقل الجبار الذى صاغ قصص ما وراء الباب المغلق.. وتبحره فى علم النفس وبراعته فى فن القص والتشويق.
ومن دخل فى باب خرج إلى عالم آخر وغير ذلك من الإبداع الفائق والقص الرائق.
ويظهر فيها من جديد -بعد قصة أوديسيوس والسايكلوب- التأثير الإغريقى حيث الأمازونات المحاربات.
كما يظهر تأثر المخرج العالمى هيتشكوك حيث جزيرة الطيور التى أخذ عنها فيلم الطيور..
كل ذلك فى قصة حسن البصرى.
وفيها الإشارة إلى السفن الحديثة الأم فى صفة عجيبة كأنها السفن الفضائية فى أفلام الخيال العلمى.
" فرأى فيها مركب فيها خلق مثل الحصى ما يعلم عددهم إلا الذى خلقهم وتلك المركب فى وسط البحر ولها زوارق صغار".
وفيها حرس الشرف العسكرى كما فى هذا الزمان.
" وتقدمت العساكر فعرضتهم عليه ".
ونرى البحارة الأوائل كما ذكرنا مرارا الذين جابوا المشرق حتى الصين وما بعدها فى المراكب.
وعادوا يذكرون أعاجيب تلك البلاد المطيرة والبعيدة.
فتقرأ: " من هذا الذى يطرق بلادنا ويصل إلى جزائر واق الواق.
ومن يقدر أن يصل إلى الأرض البيضاء والجبل الأسود ويصل إلى جزيرة الكافور وقلعة الطيور وكيف يقطع وادى الطيور ثم وادى الوحوش ثم وادى الجان...".
ويظهر فيها مثل آلة آلان تورينج جد الكمبيوتر :
" إن سرهما عظيم.... وركب فيهما السر المكنون واستخدمهما الاستخدامات الغريبة. ونقشهما على مثل الفلك الدائر. وحل بهما جميع الطلاسم."
ولا زلنا فى قصة حسن ومنار السنا وألف ليلة وليلة الجد الشرعى للآداب المعاصرة، كونها أعظم التراث الحكائى فى التاريخ.
حيث مغارة السحرة وعوالم هارى بوتر التى ابتكرتها فيما بعد ج.ك رولينج.
وأدب الرعب حيث إدجار آلان بو وغيره..
ونجد فى عمومها المنازل ذات الحدائق الغناء، والستور والمفارش.
والعيش الطيب المرفه وأصناف المآكل والمشارب.
والحدائق والبساتين والثراء والنعمة، ما يدلك على رفاهية عيش المسلمين فى العصر الذهبى الشرقى المعادل للعصور الوسطى المظلمة فى الغرب.
حتى كانت نوبة التتر مطلع القرن السابع فاستلبت نعمتهم.
وفى قصة على نور الدين ومريم الزنارية نرى مشهد فيلم صمت الحملان حيث سلخ هانيبال ليكتر وجه الشرطى وارتداه!
ونلمح فى مغامرة مريم الجد لمغامرات روكامبول.
وفى منتصف الجزء الرابع حكاية ورد خان بن الملك جليعاد.
وهى من أحسن القصص وأجملها وأكثرها تضرعا لله والتجاءً إليه.
وفيها من الحكمة ما يزرى بكليلة ودمنة.
لولا تشويش فى حوار ابن الملك والوزير شماس فى أمر القدر والكون والخلق.
وفيها قصة ابن الملك السائح وتشبه قصص جبابرة بنى إسرائيل.
وفى قصة أبو صير وأبو قير نجد إشارة لأشعة الليزر.
وفى قصة عبد الله البحرى وعبد الله البرى إشارة لتقدم العلوم البحرية عند العباسيين فيقول البحرى:
" أما سمعت صاحب المثل يقول: عجائب البحر أكثر من عجائب البر ".
والعلم الحديث يقول: الماء يشكل ٧٠% من مساحة الأرض.
و٨٠ % من مخلوقاته.
وفى القصة التى تليها وهى هارون الرشيد والشاب العمانى؛ العلم التام بعلم النفس والعلاج النفسانى وعلاج الاكتئاب فيقول المصنف على لسان جعفر البرمكى:
" فأنه قد قيل تفريج الهم بإحدى ثلاث..
أن يرى الإنسان ما لم يكن رآه.. أو يسمع ما لم يكن سمعه.. أو يطأ أرضا لم يكن وطأها ".
وبحق فإن ألف ليلة وليلة أعظم تراث العباسيين الجامع لأعظم دول الإسلام التى دامت خمسمائة سنة.
وهذا واحد من ألف بل ألوف حتى قيل أن سبب زوال مُلك المسلمين كان زوال علمهم بقضاء المغول على مكتبة بيت الحكمة ببغداد التى كان فيها خلاصة علوم سبعمائة عام من الحضارة الذهبية.
من الفلك إلى الطب إلى علوم الروبوتات.. إلخ وعلوم البحار والطيور والكيمياء وسائر أصناف العلوم.
وفى هذا الجزء الرابع قصة ابن الخصيب.
وفيها ذكاء وحيل.. وكذلك ألف ليلة وليلة تنفع صاحبها.
وآخر ألف ليلة وليلة قصة معروف الإسكافى المصرى.
ومنه تعلم يقينا أن مؤلف ألف ليلة وليلة فى صيغتها النهائية عن الأصل العباسى المنقول عن الفرس والهند وشرق آسيا؛ مصرى.
ومن العجب أن قصة علاء الدين والمصباح السحرى وعلى بابا والأربعين حرامى ليست من متنها!
فلا وجود لها فى ألف ليلة وليلة البتة رغم أنها لا تُعرف إلا بها.
فإما أنها قصص منفصلة كالسندباد أو أنها كانت فى الأصل القديم أو أنها من خرافات فارس والشرق فى تركستان.
ولا يفوتنا أن نذكر أن الاقتصاد العالمى كله يتمحور فى ألف ليلة وليلة حول شرق آسيا. وهو معنى كتاب الشرق يصعد ثانية.
وإلى هنا تنتهى رحلتنا مع هذا الكتاب الذى صار رأس القصص البشرى وعمدة الآداب.
ـــــــــــــــ
فكرى فيصل

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق